ابن كثير

42

البداية والنهاية

المبعث ، وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين . وفيها شرع بعمارة سور قلعة دمشق وابتدئ ببرج الزاوية الغربية القبلية المجاور لباب النصر . وفيها أرسل الخليفة الناصر الخلع وسراويلات الفتوة إلى الملك العادل وبينه . وفيها بعث العادل ولده موسى الأشرف لمحاصرة ماردين ، وساعده جيش سنجار والموصل ثم وقع الصلح على يدي الظاهر ، على أن يحمل صاحب ماردين في كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار ، وأن تكون السكة والخطبة للعادل ، وأنه متى طلبه بجيشه يحضر إليه . وفيها كمل بناء رباط الموريانية ، ووليه الشيخ شهاب الدين عمر بن محمد الشهرزوري ، ومعه جماعة من الصوفية ، ورتب لهم من المعلوم والجراية ما ينبغي لمثلهم . وفيها احتجر الملك العادل على محمد بن الملك العزيز وإخوته وسيرهم إلى الرها خوفا من آفاتهم بمصر . وفيها استحوذت الكرج على مدينة دوين فقتلوا أهلها ونهبوها ، وهي من بلاد آذربيجان ، لاشتغال ملكها بالفسق وشرب الخمر قبحه الله ، فتحكمت الكفرة في رقاب المسلمين بسببه ، وذلك كله غل في عنقه يوم القيامة . وفيها توفي : الملك غياث الدين الغوري أخو شهاب الدين فقام بالملك بعده ولده محمود ، وتلقب بلقب أبيه ، وكان غياث الدين عاقلا حازما شجاعا ، لم تكسر له راية مع كثرة حروبه ، وكان شافعي المذهب ، ابتنى مدرسة هائلة للشافعية ، وكانت سيرته حسنة في غاية الجودة . وفيها توفي من الأعيان : الأمير علم الدين أبو منصور سليمان بن شيروة بن جندر أخو الملك العادل لأبيه ، في تاسع عشر من المحرم ، ودفن بداره التي خطها مدرسة في داخل باب الفراديس في محلة الافتراس ، ووقف عليها الحمام بكمالها تقبل الله منه . القاضي الضياء الشهرزوري أبو الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري الموصلي ، قاضي قضاة بغداد ، وهو ابن أخي قاضي قضاة دمشق كمال الدين الشهرزوري ، أيام نور الدين . ولما توفي سنة ست وسبعين في أيام صلاح الدين أوصى لولد أخيه هذا بالقضاء فوليه ، ثم عزل عنه بابن أبي عصرون ، وعوض بالسفارة إلى الملوك ، ثم تولى قضاء بلدة الموصل ، ثم استدعي إلى بغداد فوليها سنتين وأربعة أشهر ، ثم استقال الخليفة فلم يقله لحظوته عنده ، فاستشفع في زوجته ست الملوك على أم الخليفة ، وكان لها مكانة عندها ، فأجيب إلى ذلك فصار إلى قضاء حماه لمحبته إياها ، وكان يعاب عليه ذلك ، وكانت لديه فضائل وله أشعار رائقة ، توفي في حماه في نصف رجب منها .